السيد كمال الحيدري
333
في ظلال العقيده والاخلاق
بيان ذلك : أنّ الإنسان إذا مرض لا يذهب إلى من يشفع له ليشفى من مرضه بل يذهب إلى الطبيب المختصّ ليعالج مرضه ، وإذا عطش لا يذهب إلى من يتوسّل إليه لكي يرفع عطشه ، بل يشرب الماء ليرتوى به ، وهكذا في كلّ القضايا التي تتعلّق بحاجات الإنسان وشؤونه الوجودية . فالشفاعة المتعارفة إذاً عند العرف والعقلاء ليست في المسائل التكوينية من الصحّة والمرض والفقر والغنى وغير ذلك بل هي في أمور أخرى حيث إنّ المتعارف عندهم أنّ المجتمعات البشرية قائمة على أساس التشريعات والتقنينات ، وأنّ هناك مجموعة من الأوامر والنواهي الشرعية أو الوضعية موجودة في كلّ مجتمع من تلك المجتمعات . ثمّ إنّ المقنّن ، سواء كان الله سبحانه وتعالى أو غيره ، قد جعل ثواباً لمن أطاع الأوامر وتجنّب النواهي وجعل عقاباً لمن خالف الأوامر وارتكب النواهي . ثمّ إنّ هذا الجزاء ، ثواباً كان أو عقاباً ، وبلحاظ كونه جزاءً دنيوياً لاأُخروياً « 1 » هو جزاء اعتباري لا تكويني ، ولا فرق في ذلك أيضاً بين القوانين الشرعية وغيرها ، فالسارق والسارقة جزاؤهما في القوانين
--> ( 1 ) بخلاف الجزاء الأخروى فإنّه جزاء تكويني ، ففي قوله تعالى مثلًا : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ( النساء : 10 ) يكون جزاء أكل أموال اليتامى في الآخرة تكوينياً لا اعتبارياً .